ما أمتع العاصفة إذا كان البيت قويا.

واضطجعت القوارب الثلاثة هنالك في رفق على سطح الماء المتدحرج وهي تحدق في الظهيرة الأبدية الزرقاء، ولم تنبعث من أعماق الزرقة أنّة أو صيحة ما، لا ولم تنطلق اهتزازة أو نفاخة ماء، فلو أن أحد أبناء البر شهد هذا المشهد أكان يخطر له أن أشد الحيوانات البحرية وحشية يتلوّى ويتعقص بالعذاب المبرح تحت ظاهر ذلك الصمت وتلك السكينة المطمئنة؟

الابتسامة دائما هي ما يقودنا لقلب كل شيء غامض وبعيد.

لكنه يبدو وحيدًا، وحيدًا تمامًا في الكون، قطعة من حطام سفينة في عرض الأطلنطي.

فينا جميعًا حفّار دخيل لا يكف عن العمل في منجمه. ولكن أنّى لنا أن ندري إلى أين يتجه النفق الذي يحفره مِن الإستماع إلى صوت فأسه المكتوم المتنقل أبدًا؟

ما أشد ما أحتقر الأرض ذات الحواجز والإتاوات والجوازات! تلك الطريق العامة التي خدّدتها نعال العبودية وحوافرها! وتحوّلتُ إلى الإعجاب بعظمة البحر الذي لا تنطبع فيه آثار.

غير أن من عَلَتْ سِنُّه يظل صاحيا يأبى الرقاد. كأن المرء كلما طالت صلته بالحياة نفر من ممارسة أي شيء يشبه رقدة الموت.

ولو أنك عاينت وجه (آخاب) تلك الليلة لخلت أن لديه أيضا شيئين متباينين يعتركان. فبينما كانت رجله السليمة تبعث أصداء حية سليمة على ظهر السفينة، كانت كل دقة برجله الميتة كأنها دقة على تابوت. كان الرجل العجوز يمشي علي رجلين من حياة وموت.

كل الناس يعيشون وحبال التحويت تلتف من حولهم. كلهم وُلدوا وأواخي المشانق معقودة حول أعناقهم، ولكنهم لا يتبينون مخاطر الحياة المتبلّدة الماكرة التي لا تغفل ولا تغيب أبدا إلا حين يُوهقهم الموت المفاجيء الوَحِيّ ويجذب الأنشوطة.

إذ أن ذروة السرور في لذة الدفء هي أن لا يفصل بينك أنت وما تهوّم فيه من جمام وبين برد الهواء في الخارج شيء سوى البطانية. عندئذ تستلقي كأنك قبس دافيء في جوف بلورة قطبية.

ولكنك ترى قوة الحوت في لعبه عندما يرفع الراحتين العريضتين من ذنـَبه عاليتين في الفضاء، ثم يلطم وجه الماء فيتردد هزيم اللطمة على مدى أميال حتى لتظن أن مدفعا ضخما قد انطلق، وإذا لحظتَ الأكاليل الخفيفة من البخار الصاعد من الفوهة في طرفه الآخر ظننتَ أن هذا هو الدخان المنبعث من الثقب حيث تدس النار في البارود.

أعانك الله أيها الشيخ فقد خلقتْ أفكارك فيك مخلوقا. ومَن جعلتْ أفكاره الحادة منه (بروميثيوس) فإن النسر يغتذي من قلبه إلى الأبد. وذلك النسر هو المخلوق الذي خلقه.

هل حدث أن ألّف حوت العنبر كتابا أو ألقى خطابا؟ كلا، بل إن عبقريته العظيمة لتتجلى في امتناعه عن أداء ما يُثبت وجودها فيه.

هب أننا أخطأنا خطأ فادحا في فهم مسألة الحياة والموت. هب أن ما يسمونه على هذه الأرض "ظلي" إنما هو جوهري الصحيح. هب أننا حين ننظر إلى الأمور الروحية نشبه السرطان الذي يرى الشمس من خلال الماء فيظن أن الماء الكثيف هو أشد أنواع الهواء شفافية! هب أن جسدي ليس إلا الحمى الذي يأوي إليه وجودي الأفضل. فليأخذ جسدي من شاء فإنه ليس أنا!

ما الذي يجعل الأمام أماما بالنسبة للإنسان؟ ماذا سوى عينيه حقا؟

ومثلما أن أطفال الآدميين يحدقون في هدوء وثبات بعيدا عن الثدي وهم يرضعون كأنما يحيون حياتين في آن معا - فبينما هم يمتكون الغذاء الجسدي ما يزالون روحيا يستطيبون ذكريات غير أرضية - كذلك كان يفعل صغار أولئك الحيتان، كانوا كأنما ينظرون نحونا إلى أعلى ولكنهم لا ينظروننا، كأننا عشبة من أعشاب الخليج في أنظارهم الوليدة الحديثة العهد بالنظر.

وهذه القوة المدهشة في ذنـَب الحوت لا تنحو أبدا لعرقلة التـّثني الرشيق في حركاته، حيث اليُسر الرشيق يتموّج من خلال جبروت القوة. بل العكس هو الصحيح: فإن تلك الحركات تستمد جمالها الباهر منها، فالقوة الحق لا تـُشوِّه الجمال أو الانسجام، وإنما تمنحها للشيء القوي، وفي كل شيء جميل آسر الجمال تلعب القوة دورا سحريا.

إن أرفع المسرات الأرضية تحتوي على تفاهة كامنة فيها، أما أحزان القلب فإن في أغوارها أهمية مغيبة ولها لدى بعض الناس رفعة ملائكية.

تأمل كليهما، أعني البحر والبر، ألا ترى فيهما شبها غريبا لشيء مستقر في نفسك؟ إذ مثلما أن هذا المحيط المهول يحف بهذا البر الأخضر، كذلك فإن في روح الإنسان جزيرة حافلة بالسلام والبهجة ومحفوفة بمرعبات هذه الحياة التي لم تكد تنجلي لنا. رعاك الله! لا تغادر تلك الجزيرة! فإنك إن غادرتها فلن تعود إليها أبدا!

وبما أن ذنـَب الحوت أفقي في وضعه فإنه يتحرك على نحو يختلف عن أذناب جميع الحيوانات البحرية الأخرى. فإنه لا يتعقص أبدا، فالتعقص في الإنسان والسمك من أمارات النقص.

وربما كان أمرا ذا أهمية ما أن نعلم بأن حوت العنبر حين يقاتل حوت عنبر آخر فإنه لا يستخدم إلا رأسه وفكـّيه، ومع ذلك فإنه في صراعه مع الإنسان لا يستخدم إلا ذنـَبه – في الدرجة الأولى – في استهانة وازدراء.